Libyan International Expertise Forum


المجمع العالمي للخبرات الليبية

مقدمة قصيرة لموضوع طائل


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وبه نستعين، والصلاة والسلام، على رسوله الأمين، وعلى تبعه ووالاه.

أيها الأخوة والأخوات الأحبة، أيها الضيوف الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:


هذه مقدمة قصيرة لموضوع كبير قد طال انظاره وتعددت أسبابه وخلفياته، وهي مقدمة تمهيدية لإستقبال عمل ضروري كان اليبييون في حاجة ماسة منذ زمن بعيد لمثله. والكفاءات الليبية متعددة، وخبراتهم متنوعة ومنتشرة في ليبيا وفي أنحاء العالم، وإنني إذ أكن لأصحابها التقدير والإعجاب، أعتقد أنهم النواة الأهم في بناء ليبيا المستقبل، وطننا العزيزالذي ولدنا وترعرعنا فيه، وتشربنا أهم مقوماتنا الفكرية في أحضانه، وكونا قناعاتنا االأخلاقية واتجاهاتنا الإنسانية في ربوعه، وهو لا يحتاج منا التحسر والتعاطف، بقدر ما يستحق منا التكاتف والتلاحم، كل في موقعه، وكل حسب امكاناته، لصنع نهضة حقيقية لبلدنا، تقيه الوقوع مجددا، في حبائل الإسفاف السياسي، والإخلال الإداري، والخراب الإقتصادي، وتعين على تخليصه من تسلط  الفرد، وتعسف الطغمة الغاشمة، والشلل الفاسدة، وتحميه من شراذم العار التي تستكين أمام الأعداء، وتستأسد أمام الضعفاء.



إن شعبنا اليوم، بدأ يستعيد وعيه ويستفيق من غيبوبة دامت أكثرمن أربعين سنة، هي في الحقيقة عزل ممنهج عن العقل والإرادة، عزل تتكامل فيه العناصر وتتعدد فيه المراحل، وأهمها الجهل والتجهيل، الذي تحول إلى استراتيجية  تساس بها البلاد ومرافقها الحيوية، ومن عناصرها أيضا البطش الرابض، الذي أمسى علامة العصر، والذي لا يغيب عن حس المواطن أوعن جواره، ولا يترك مكانا لخاطرة من خواطرالدفاع عن الكرامة أن تلوح في الخيال، أوأن تخطر على البال، وما كان لرواد الكفاءات والخبرات الليبية أن يحققوا ما حققوه، في جميع أنحاء العالم، إلا بأصعب الطرق وأطولها، و تضحيات متتابعة منها الملاحقة والتعرض للقتل، وصعوبات متتالية أقلها آلآم الغربة،

وكربات الغلبة، ولأن بناء الإنسان، وفتح أبواب التطورللفرد والمجتمع، كانت من المحرمات في عصرالجماهير، تلك الجماهيرالتي يختزلها القذافي ونظامه في شخصه، فهو ينوب عن جميع الليبين والليبيات في كل شيء، فهو الذي يفكر لهم، وهو الذي يشرع ويقرر وينفذ، وهوالذي يسخر بهم وعليهم ومنهم، وهومواطن بسيط بدون سلطة، ولكن السلطات تختزل في شخصه، وهوأيضا دون وظيفة، ولكن الوظائف لا تؤمن إلا بإذنه، وهو لم يسع يوما لأن يكون الرئيس، وملك الملوك، والمفكرالعالمي، والفيلسوف ألأممي، والكاتب المبدع، والمنتج السينمائي الجريء، والمهندس الجيولوجي الحاذق، والخطيب المفوه، والمعلم الأكبر، و وهو أيضا البحار والنجار، والحداد، والمزارع الأول، فضلا عن كونه القائد الملهم، ولكن كل ذلك، إنما هو من باب التطوع (أي في قطاع العمل الخيري بلغة المجتمع المدني) وإن كانت كل هذه المجالات التطوعية، التي يمارسها ملك الملوك محصورة في جلالته  ممنوعة عن غيره، ولا يمكن أن يشاركه في شرفها أو ثوابها أحد، وهو كما تعلمون لا يتقاضى مرتبا شهريا بالطبع، ولكنه يتحكم في كل الثروات، وهو لا يحمل السلاح أيضا، ولكن مسؤولية كل من حوله الحفاظ على ذاته والموت دونه، والباقي يهون إذا سلم هو وأسرته، والحديث يطول، ولا غرابة في هذا، إذا علمنا أن القذافي، مفطورعلى الهدم، محل البناء، وهوايته الأبدية هي الفساد مكان الإصلاح، والتخريب محل التعمير، ولم يقف هذا النهج عند تدميرالشواهد التاريخية الهامة، مثل تدمير مسجد سيدي حمودة الذي يؤرخ لمشهد تاريخي أندلسي، ومكتبة الأوقاف التاريخية الفريدة، وكلاهما في ميدان الشهداء بطرابلس، كما لم يسلم من بغضه وحقده، المجاهد البطل عمر المختار ببنغازي، ومئات من أمثلة أخرى.


إن القذافي ركز بالأساس على تدمير النفوس قبل كل شيء، وقتل الهمم وطمس البصائر، والعمل عل تحويل الشعب الليبي إلى قطيع من الخراف، الذي ترعاه فرق متمرسة من الذئاب والضباع والثعالب، وتعبث به أصناف منحطة من حيوانات الغاب، وفي ذلك ما يعطي فكرة عن خلطة القذافي النفسية، وارتباطاته الدولية المشبوهة، وعدوانيته الموروثة، وباختصار دعنا نقول، أن الظروف داخل ليبيا، تحت حكم القذافي، لا تسمح للليبين بتطويرأنفسهم، أوالإرتقاء بكفاءاتهم، أوتنويع خبراتهم، إلا أن الله العلى في علاه، جعل لنا من الضيق مخرجا، ومكن لعدد منا الإفلات من قبضته إلى الخارج، لاستكمال دراساتهم أوتطوير قدراتهم، أوالإرتقاء بكفاءاتهم، أو غيرها من الأسباب الوجيهة، والتي ما كان للقذافي أن يسمح بها لو قدر نتائجها. إنما ظنه أن هذه الفئات من الليبين بين احتمالين قائمين، أولهما: أن ترسل هذه الأعداد لتتدرب فتصبح بذلك أدوات طيعة لتنفيذ إرادته وإظهار جبروته، معولا على أداتي الطمع والخوف العتيدتين، اللتين ما وقع في براثينهما أحد إلا دمرتاه، وما قرب منهما أحد إلا شوهتاه،أوأن تخرج هذه العناصر بعيدا عن المجال، فتعطل قدرتها على تكدير


الجو، أوالإنخراط في المقاومة الداخلية المعترضة على فساده، وبذلك  تمكن الكثيرمن شبابنا رجالا ونساء، من الإفلات من قبضة القذافي وزبانيته، وتوجهوا إلى الكثير من البلدان، حيث استردوا آدميتهم، وأكتشفوا إحترامهم لمهنهم وخبراتهم، وافتخروا بأصولهم الإنسانية والحضارية الراقية، وبرهنوا على تفوقهم في مجالاتهم وقدراتهم على صعوبات الغربة، ونجاحاتهم في مجال المنافسة. وكل ذلك من فضل الرحمن المنان علينا جميعا، وعلى مستقبل بلادنا العزيزة. وكثيرا ما قلتُ أن هذه هي المصلحة الوحيدة، التي حققها الشعب الليبي في عهد القذافي تلك التي أتت رغما عن أنفه، وبذلك تمكن فريق لا يستهان به من أبناء وبنات لييبيا الحبيبة، بفضل الله من الإستقلال عن نظام القذافي، وقدروا على صراع الأرادات، وتحمل الصعوبات، وتميزوا في مهنهم المنتشرة في بلاد العالم، وهذه نعمة لا يقدرها ويثمنها إلا أصحاب الوعي الكامل بمقدرات الأمم وصراع الحضارات، وكل ذلك يضعنا في هذه اللحظة التاريخية التي لا تقدر بثمن، والتي سنغبن وطننا إن أهدرناها.

إننا اليوم جميعا نجابه عهداجديدا، ونأمل في صنع مستقبل يثأر لنا من الجهل بانتشارالعلم، ومن القهر بضمان الحريات، ومن التهميش برد الإعتبار، وثثمين قيمة الإنسان، والمحافظة على كرامته، وتحل لنا نظم العدل والتدبير، محل الظلم والتدمير، وتفتح لنا أبواب البناء، في كل ما يصلح شؤون الأمة، وينمي مقوماتها المادية والمعنوية، كما يثأرلنا من الفرقة بالتآلف، ومن الحقد والصلف، بالسماحة والتواضع، ومن الحماقة والسفاهة بالرشد والحكمة.

إن السؤال القائم  هو،من هم أحرى بكل ذلك غير أصحاب الكفاءات والقدرات والخبرات، سواء في الداخل أم في الخارج؟ فعليهم تقع المسؤولية، كما بهم تبدأ خطوات العمل، وعليهم تعقد ألوية الأمل، وعند مجهوداتهم المنتظمة، وإراداتهم المحتكمة، بعد توفيق الله، ينتظرالنجاح، ولستُ في شك من مصداقية هذا الرأي، أوتردد حول نجاعته، إذ أن إستخراج ليبيا من الوضع المزري الذي حفره لها القذافي، لا يأتي بمجرد التمني، وربنا القائل في محكم كتابه، بعد أعوذ بالله من الشيطن الرجيم “من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها” أي أن العمل ضرورة لازمة في الحالتين، وبه يظهر التمايز بين الصالح والطالح. إن إنتشال ليبيا وشعبها الأصيل من حضيض القذافي، والإرتقاء بها إلى ذرى الإنسانية وقمم الحضارة، لا يأتي من الفكر السلبي الذي اعتاده بعض الليبين في عهده البغيض، ولا التحجج  بالمثل السائر “حط راسك بين الرؤوس، أو طبص تخطاك” ولأني أعلم مدى حبكم لبلدكم، وتفانيكم في نصرته، كما أعلم غنى تجاربكم وصمود عزائمكم، فلست في حاجة للتكرارأو ضرب الكثيرمن الأمثلة، وأملى أن يجد هذا النداء إستجابة فاعلة وهمما صادقة، وأن ترتقي نفوسنا إلى سدة التسامح فيما بيننا، وصنع مناخات التآلف فيما ينفعنا جميعا، وتثمين العمل الذي يقوم به بعضنا كل في مجاله، والإعتراف بالمتقدمين منا في الإضطلاع بالمسؤوليات العامة، والحفاظ على الثوابت الأساسية، التي لا تكتمل هويتنا إلا بها. وكما تعلمون فإن المنافسة المفيدة ليست في حب الظهور، والتعنصر للقبيلة أوللنادي أوللمهنة، إنما هوالتأييد للأحسن والأكمل والأفيد، ولما يحقق المصلحة العامة قبل كل المصالح، لأن المصلحة العامة  كما تدركون، تحقق المصالح الخاصة، بينما المصلحة الخاصة لا تحقق المصالح العامة.

إن من المهام الأساسية لهذا المؤتمر، هوالإتفاق المبدئي على آليات العمل، وأولها تعيين فريق نشط ومتحمس لإطلاق المشروع، والنظرالمبدئي في تحريك آليات الدعم المالي الذاتي أو غيرالمشروط. ولاشك أنكم اطلعتم على ورقة العرض لهذا المشروع، وناقشتم جدواه، وقد ذكر في هذه الورقة  بعض الخطوات المطلوبة، كما أنني أشرت إلى فكرة قد نشات  مستقلة وسابقة له، قد  تساعد في تحريك آلية الدعم المالي في البداية، والتي إن شاء الله سوف أفصح عنها اليوم في النصف الثاني من فترات العمل بهذا البرنامج، وإذا شرفني إخواني الأعزاء وأخواتي الفاضلات، بالموافقة على تبنيها، كإحدى مهام العمل بالمجمع، فقد تكون خطوة مفيدة لتمويل ذاتي للمجمع في مراحله الأولى.

كما أنه لا يفوتني اليوم آن أثمن المجهود الكبير، والثقة المستردة التي أبداها الكثيرمن إخواننا أصحاب الكفاءات والخبرات، اللذين اجتهد البعض منهم، في الدعوة له وإظهار فوائدة التي لا تغيب عن بصائرتكم. ونأمل أن يظهر من هؤلاء النشطين الذين كانوا في تواصل مستمر معي وساهموا في قيادة العمل إلى هذه المرحلة، سواء كانوا هنا في بريطانيا، أو بمنطقة الخليج أو في الولايات المتحدة أو كندا، بعض من يمكنه الإستمرارفي تحمل المسؤولية، وتفعيل الخطوات القادمة، للوصول بالمشروع إلى برالأمان خلال الفترات الأولى بعد إطلاقه، ومن ذلك على سبيل المثال، تسجيله مبدئيا في  ليبيا وبريطانيا وغيرها من البلدان إذا لزم، وكتابة دستوردقيق يتناسب مع تكويناته وتخصصاته، وحتى يتم بعدها تحديد  فترة مناسبة لانتخاب فريق رسمي،من أصحاب الخبرة والكفاءة من عموم الأعضاء، القادرين والمستعدين لتحمل عامة المسؤوليات عندما يكون المجمع هيئة رسمية معترفا بها في بلدنا وعلى مستوى العالم، وحتى يصبح المجمع وأعضاءه قادرين على المشاركة الفعالة في بناء مستقبل ليبيا المجيد ، ولهؤلاء بشكل عام، ولكم بشكل خاص، أقدم شكري وامتناني لكل فرد منكم،وقد تجشمتم متاعب السفربالقدوم إلى هذا المؤتمر، تاركين الأهل والأعمال، آملين في تحقيق هدف طال إنظاره، ولأن الكمال لله وحده، فإني أسألكم جميعا، وكل من له صلة بهذا العمل من قريب أو بعيد، أن تلتمسوا في أنفسكم الكبيرة، العفو والصفح إذا ظهرمني شيء من التقصيرأوالتجاوز، كما أود أن أعبرلكم عن امتناني الفائق واعتزازي الشديد، بعد فضل الله الواحد ألأحد، لكم و بكم جميعا، من خلال هذا التواجد المشترك والتآلف الحميم، كما انني أشكر كل من ساهم أوشارك معنا  في تهيأة هذا المؤتمر، ومن شاركنا من الأكادمين والمؤسسات الأكاديمية،أوالهيئات التي تثمن هذا العمل أو  تؤيد تطلعاته، وكل الذين يساندون هذا الجهد ماديا أو معنويا، و كذلك كل اللذين وقفوا مع الشعب الليبي في ساعات المحنة، ومنهم على الخصوص، الأشقاء الأحباء من الشعبين والحكومتين في كل من دولتي قطر والإمارات العربية المتحدة، والشعبين الشقيقين الحبيبين في تونس ومصر، وكل الشعوب أوالدول التي وقفت معنا، دون أن يكون لها مقاصد تخريبية في بلادنا، أو خطط استغلالية لشعبنا، ونسأل الله العلى الكريم أن يمكننا من رد الأفعال الطبية بأفضل منها، وهل جزاء الإحسان إلإ الإحسان؟ كما نسأله تعالى أن يجنب بلادنا وبلادهم مصائب الإستبداد، وخراب البلاد، وإفساد العباد، وأن يكتب الشهادة لكل موتانا والثواب لأحيائنا والعافية لجرحانا ومرضانا و الرشد والرشاد  لنا ولقادتنا في كل الأوقات، وعلى كل ألأصعدة  وفي كل الميادين، آمين، والسلام.

علي عمر الرميص

المجمع العالمي للخبرات الليبية.

Share this Page

Related Initiatives

Arabica Trust International

Value Added Thought